• الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر09:57 ص
بحث متقدم

تريليون دولار !

مقالات

أخبار متعلقة

البنك المركزي النرويجي أعلن الثلاثاء الماضي أن عائدات الصندوق السيادي بلغت تريليون دولار، أي ألف مليار دولار.
هذا الصندوق هو الأكبر في العالم، وصاحبته دولة النرويج ليست الأكبر ولا الأوسط في العالم سكانا ومساحة، بل هي واحدة من الدول الصغيرة 5 ملايين نسمة، و385 ألف كيلومتر مربع، ومع ذلك تقفز فوق دول وأمم كبرى بـ "حصالتها" ومدخراتها لشعبها ولأجيالها وللزمن.
من حق المواطن النرويجي أن يشعر بالأمان الشخصي، والأمان العام على الخدمات المقدمة له لو دخلت البلاد في أزمة ممتدة عبر الاستفادة من تلك الأموال الضخمة من فائض بيع ثروة النفط والغاز، نصيب كل مواطن من هذا الصندوق يبلغ 189 ألف دولار، هناك مواطنون في بلدان أخرى لا نصيب لهم في ثروات بلادهم، لكن لهم نصيب في ديونها التي تثقل بها الأنظمة كاهلهم، تُولد أجيالا فتجد نفسها محاصرة بديون ترهق أبدانهم.
هذا الصندوق أنشيء عام 1996، وفي غضون 21 عاما فقط كان يفيض بالمال، والمسؤولون في البنك المركزي لم يكونوا يتصورون أن يصل إلى رقم تريليون، لكن نظافة اليد والرقابة والمحاسبة وقطع دابر الفساد هي أكبر الضمانات لحماية الأموال العامة، والنتائج العملية لتمكين حكم القانون وسريان حكم الأخلاق الطوعي بين عموم الشعب حكاما ومحكومين تظهر في النرويج، ومعها شقيقاتها في شمال أوروبا في المنطقة الجغرافية التي تعرف باسم إسكندنافيا، ولذلك من الطبيعي أن تتصدر النرويج ومعها تلك الدول مؤشرات التنمية العالمية، والمؤشرات الأخرى في السعادة والسلام والاستقرار والديمقراطية والخدمات الجيدة، شعوب تستحق حكوماتها التي تطبق الحكم الرشيد، وهو المصطلح الذي تجعجع به أنظمة أخرى وهي أبعد ما تكون عنه بعد الأرض عن الشمس.
مساحة النرويج وثروتها في الطاقة لا تُقارن مع دول أخرى ذات مساحات شاسعة، ولديها ثروات هائلة في الطاقة والموارد الطبيعية وعدد من السكان ليس كبيرا، بينما الفقر يجعل شعوبها تئن، والخدمات متردية، والفساد ينخر في مفاصل دولها، والإنفاق السفيه بلا توقف.
في النرويج وشقيقاتها في العالم الحر، الدولة ومؤسساتها شيء، والحكومة التي يختارها الشعب لإدارة الدولة لفترة زمنية معروفة حسب الدستور شيء آخر، تأتي حكومة وترحل أخرى دون أن تجعل أي واحدة من نفسها أنها الدولة لتصادرها سياسيا، وتبقى في الحكم كما تشاء، وهذا هو باب الاستبداد الذي بدوره يقود إلى الفساد " وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد"، الطغيان ومرادفاته العصرية مثل  الديكتاتورية، والاستبداد، وحكم الفرد، وحكم الحزب الواحد، والحكم السلطوي، والبوليسي، هو الباب المعتمد لشيوع الفساد بكل أشكاله المالي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والفكري والثقافي والأخلاقي، لأن الفرعون رأس الطغيان يحكم كما يشاء معتقدا أنه وصي على البلاد والعباد، وأنه يرى مالا يقدر الآخرون على رؤيته مثله، ومرة أخرى يأخذنا القرآن الكريم العظيم إلى الأمراض السياسية المهلكة للأمم والشعوب والأوطان " ما أريكم إلا ما أرى"، طالما الحاكم الفرعون يصر على أن يرى وحده فإن رؤيته لابد أن تكون قاصرة لأنه بشر ليس منزها ولا معصوما عن الخطأ مهما اعتقد هو عكس ذلك، هو بحاجة إلى عيون وآذن وعقول أخرى ترى وتسمع وتفهم معه، توافقه مرة، وتصحح له في مرة أخرى، وتختلف معه في مرة ثالثة وهكذا، هذه هي الشورى في الإسلام، أو هي الديمقراطية في العصر الحديث، الديمقراطية هي النظام السياسي السحري الذي يجعل من النرويج دولة ذهبية في الحكم والإدارة، ومستوى العيش والرفاهية، والخدمات المميزة، وصندوقها السيادي، وحسن إدارة واستثمار الموارد والثروات الطبيعية التي منحها الله لها، كم دولة عربية وإسلامية تمتلك موارد هائلة هي منحة من الله؟، الكثير، لكن الفقر هو العلامة المميزة للعرب والمسلمين حتى الدول الغنية فيهم تجد شعوبها في حالة بائسة، إلا استثناءات قليلة، ولو سرى حكم القانون والديمقراطية، وحدث التزم حقيقي بالأخلاق عنوان إسلامهم الجميل، فإن الأوضاع ستتغير بأسرع ما يكون حيث سيتوقف النهب والهدر والفساد، وستدير الحكومات المنتخبة الموارد المتوفرة بطريقة راشدة، وستوزع الدخل بالعدل وحسب العمل والجهد والكفاءة، وليس على طريقة المكرمات والمنح والمساعدات والهبات وكأنه لاحق للناس في خيرات بلادهم.
لا حل أولا وأخيرا إلا بالحكم الرشيد الذي تتنافس فيه الأحزاب والقوائم والأشخاص في بيئات انتخابية تنافسية حقيقية شفافة، ويفوز من يستحق ثقة الجمهور، ويحكم دون أن يستبد، ودون أن ينقلب على الديمقراطية، وأن يحترم الدستور المتوافق عليه شعبيا وسياسيا، وأن يطبق القانون بعدالة بين الجميع ، الحكومة المنتخبة عندما تعلم أنها جاءت لخدمة شعبها فإنها ستعمل على تنفيذ هذه المهمة حتى تبقي في الحكم بالإرادة الشعبية، وعندما تعلم أنها جاءت لتجلس في الحكم طويلا أو أبدا فلن يعنيها خدمة الشعب، وسيكون حرصها على خدمة نفسها واتباعها أولا، وخدمة هدفها في احتكار السلطة.
في النرويج ديمقراطية قديمة وعريقة وفاعلة، وتداول سلطة متواصل، وفصل حقيقي بين السلطات، ودولة القانون، وشعب واع وسعيد، وفي بلادنا لا تجد شيئا من هذا السحر الإنساني، كأنها من أساطير ألف ليلة وليلة بالنسبة لنا.
 
 
 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • ظهر

    11:46 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى