• الخميس 23 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر03:44 ص
بحث متقدم

أيلول أسود دائمًا

وجهة نظر

كاتب
كاتب

سيد شعبان

أخبار متعلقة

تبدو الأزمنة مثل رغيف خبز الشحاذ الذي يدق بيديه على باب بيتنا الكبير صباح مساء، إنه لا يمل من النداء، رغم أننا نستوصي بأهل الطريق خيرا، تعودنا ألا نرد سائلا؛ هذه وصاية جدي الكبير، دائما ما قال: أعطوا أهل الله ولو كانوا ممن يمتطون الجياد، فعلت كل الوصايا، رغم أنني مللت من تكرارها، في هذه الأيام بدأت أفعل مثله؛ أتمثله حين يستند إلى الحائط، أحرك يدي في تراتب عجيب، حتى لقد ارتديت عباءته، نحن أبناء الأجداد الذين تناسيناهم في غمرة انشغالنا بهموم حياتنا التي لا تنتهي، في هذه اللحظة ظهرت كل الحكايات مثل قرن الخروب الذي كانت أمي تصم حياتي كلما فعلت ما يخرج عن النسق المعتاد، أما أن أبقى مثل ابنتها التي تمنت أن أكونها، وإلا سلطت علي دعواتها التي تتحين أبواب السماء.
اكتفيت بأن أرقب شفتيها فهل سترسل دعوة إلى أعلى؟
يملؤني اطمئنان غريب أنني لن أضار في حياتي، ما فعله جدي الذي لم أره سوف يصحبني في حياتي، مرت علي تلك التلال من الأحداث كأنني أعيش في متاهة لن تنتهي،
كل هذا يدفعني لأن أتلصص على ذاكرة ملؤها سيرة الذي ترك بصمته في اسمي بل وفي سحنتي، أنني ابنه.
ويهدني ألمي فأنشد راحتي في بضع آيات من الذكر، ثم يلازمني شعور بالندم؛ ما الذي بالثورة الحمقاء قد أغراني؟
ذلك النداء الخفي جاء بي إلى هذه الأماكن التي تمثل نتوءات في ركام الزمن، جدلية بارعة بين المكان والزمان، وها أنا أحد الذين وقفوا بين الحاجزين، حاولت أن أكون مثله يوم وقف مع الفارس فوق جواده؛ ليعلن أن الله خلقنا أحرارا، ليتني ما قرأت في تلك الكتب، بل ما الذي يضيرني لو كنت مثل بقية أصحابي، حاولت جاهدة أن تبغض لي فعله، لقد كان ممسوسا، عاش مغتربا ومات منزويا في ركن قصي من بر المحروسة، عظامه اندثرت في كهف المجرية، لقد وشى بك يوم قص أبوك حكايته.
لأنها بقيت مثل وشم جدتي الخضراء علامة تميز وجهها، لعادة توارثتها، كلما خلوت بذاكرتي التى 
علاها الغبش وأسدل الزمن عليها ستاره الكثيف،انسالت تلك الحكاية مثل ماء النهر وقد أغرقته أوراق البشنين تحت غابة ورد النيل، اختفى الماء،وعلا الهم أرجاء الوطن.
جاء من بعيد حيث البراري التى غابت فيها الحياة إلا من أبناء عرس والثعالب والذئاب تفترس كل غض طيب القلب،خرج الشيخ حسن ذات ليلة ليروي أرضه،أدار الطنبور، وقد لمع ضوء القمر مثل وهج خلخال زوجة شيخ البلد حين ترفع قدمها.
ولأنه مفرط الطيبة أخذته الشفقة بجرو صغير، رغم فقره وقلة زاده، أخرج له منديله المحلاوي وأدفأه به، حمله إلى البيت، ألقمه ضرع عنزته، قربه من أولاده.
اتخذه سميرا له، شب عن الطوق،وشى بكل الحيوانات التى تسكن الناحية، كان يختلس النظرات إلى كلبة الجيران.
إنها الهمهة تسري في دواخلنا أن نتبع الراحلين، أخفت أمي ثياب جدي، طمرت حكايته وألقت بها في قرارة فرع رشيد، تماثلت الخيالات شخوصا تدب في أزقة بلادنا التي لفها الحداد، كل آونة تتبع بقاياها بعيون تندب الربيع التهمه أيلول الأسود، ومن يومها وثياب الحداد تتمدد وتغطي كل حارات الوطن.
لكنها كانت تمسك بي مثل خيوط الأراجوز فوق الخشبة التى نصبوها في جرن البحر، كنت يومها صغيرا تماهيت مع الصبية لقد كان بارعا، تجاوبت القرية معه، أحقا كان بنا شوق للذين عبروا إلى الضفة الأخرى؟
كانت روح جدي تطوف بالمكان غير عابئة بحذر أمي، تناسيت همي جريت وراء حلمي، لكن الغدر كان أسرع من خطوي، انتحيت جانب الميدان كالتائه، غريب في أرضي، مطارد في لغتي، متهم في هويتي، ويجري ابن عرس يزغرد منشيا، لقد تناثر الحلم بقايا غد تاه، الحكاية تلملم فصلها الأخير. حاولت معي جاهدة أن تردني إليها، تمردت على نصائحها، رغم كل ما حدث لي أجد مرفأ الأمان عندها، تحوطني بجديلة رائعة من حنانها، في المرة القادمة حين يظهر النجم الغربي سأوصي ولدي أن يتبع خطى جده.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • فجر

    05:07 ص
  • فجر

    05:07

  • شروق

    06:34

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى