• الخميس 23 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر03:44 ص
بحث متقدم

عين بلفور وعين لوثر و(عينى فى عينك)

مقالات

أخبار متعلقة

نخطئ كثيرا إذا تصورنا أن السيد/آرثر جيمس بلفورقد تعشى عشاء ساخنا ونام نوما عميقا ثم استيقظ ليفاجئ الدنيا بوعده المشهور لليهود_ الذين تنظر اليهم جلالة الملكة بعين العطف _بوطن قومى فى فلسطين التى ورثها عن السيدة الفاضلة والدته..لا ليس هذا صحيحا,فهو لم يتعش,ثم إن العشاء الذى جاءه لم يكن ساخنا,ثم أنه لم ينم أصلا . وعد بلفور يا إخوتي لم يكن إلا صنبورا صغيرا فى أخر شبكة صرف صحى بدأت مع حركة الإصلاح الدينى (البروتستانتى)على يد مارتن لوثر وكيلفين فى القرن الــ16.. السيد لوثر خاطب البابا ليون العاشر برسالته الشهيرة وعينه على فلسطين والقدس. 
حركة الإصلاح الديني هذه أحدثت تغييراً جذريا في الموقف من اليهود وهو الموقف الذى تولدت عنه نظرة جديدة للماضي والحاضر والمستقبل اليهودي, هذه الحركة _حقيقة وبلا مبالغة_ هى التى ساهمت في بعث اليهود من جديد.
لم يكن في العقيدة الكاثوليكية أدنى فكرة عن عودة اليهود إلى فلسطين أو بعث الأمة اليهودية من جديد لأن هذه الأمة طبقا لعقيدتهم انتهى وجودها بظهورالسيد المسيح والفقرات الواردة في العهد القديم والتي تتنبأ بعودة اليهود إلى فلسطين وبمستقبل مشرق لإسرائيل لا تنطبق على اليهود بل على الكنيسة الكاثوليكية مجازاً,, لأن اليهود طبقاً للعقيدة الكاثوليكية اقترفوا إثماً كبيرا فأخرجهم الله من فلسطين إلى منفاهم في بابل,,وعندما رفضوا دعوة السيد المسيح نفاهم الله ثانية وبذلك انتهت علاقة اليهود بأرض فلسطين إلى الأبد. 
هو ذا بيتكم يترك خرابا(انجيل متى 23-38)..وبالفعل تحققت نبوءة السيد المسيح الذي رفضوه وحاربوه ولم يبق لهم وعد الله التوراتي بالأرض المقدسة,, الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية لم تعترف فى أى وقت من الأوقات بأن اليهود هم شعب الله المختار,, فالسيد المسيح حارب بشدة هذه النزعة العنصرية فيهم ودعا اليهود وغيرهم إلى الدخول في ملكوت الله المفتوح أمام جميع الصالحين(فالشمس تسطع على الجميع سواء بسواء)..في ظل هذا الموقف من الكنيسة الكاثوليكية لم يكن هناك أي أمل في إعادة بعث اليهود أوعودتهم وتملكهم لأرض فلسطين من جديد ..هو إذن المذهب البروتستانتي الذى قلب الأمور رأسا على عقب من خلال التغيرات اللاهوتية التي جاء بها والتي روجت لفكرة اليهود أمة مفضلة و ضرورة عودتهم إلى فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر.
 سيحدث اهتماما كبيرا بعدها بالعهد القديم(التوراة)تحت شعار العودة إلى الكتاب المقدس كمصدر العقيدة النقية,ولسوف تهتم حركة الإصلاح الديني البروتستانتى اهتماما كبيرا باللغة العبرية باعتبارها اللغة الأصلية للكتاب المقدس ولكى يفهم المؤمنون كلمة الله بشكل صحيح لابد لهم من معرفة اللغة الأصلية التي كتب بها.. وإذ يكون ذلك كذلك فتنتاب الجميع(نوبة لغوية مفاجئة) وينكبوا انكبابا كبوبا(علماء ومصلحون وحتى العامة)على دراسة اللغة العبرية وتعلمها.
وهكذا يا إخوتى رسخت في أذهان البروتستانت فكرة الرابطة الأبدية بين اليهود وفلسطين باعتبارها وطنهم القومي الذي أخرجوا منه والذي يجب أن يعودوا إليه طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم..
إذا تخيلت أنا وحضرتك وعم سلامة الفكهانى المجاور لمنزلنا ,أن حركة الإصلاح الدينى _والتى تمت بالفعل فى مجال كان يحتاج ألف إصلاح وإصلاح داخل الكنيسة الكاثوليكية وأيضا خارجها_ إذا تصورنا أن ذلك كله كان مؤامرة يهودية فى ظرف مناسب وتوقيت مناسب,هل بذلك نكون من أصحاب نظرية المؤامرة؟ وإذا تصورنا إعمالا للمنطق الرياضى فى التسلسل الطبيعى للأحداث أن كل الأمور جرى الإعداد لها جيدا من ثلاثة قرون ليس فقط لإقامة وطن قومى لليهود فى قلب بلاد الإسلام فاصلا شرقه عن غربه,,اسرائيل قصة قصيرة فعلا وتفصيل صغير فى الموضوع لا يكاد يذكر,, ولكن أيضا وهذا هو الأهم ضمن حركة تاريخية واسعة تتصل خيوطها بسبع حروب صليبية على بلاد الإسلام لتبقى دولة إسرائيل جزء وظيفي صغير ضمن هذه الحركة التاريخية الكبرى , إذا تصورنا ذلك كله هل نكون بعيدين عن (الحقيقة التائهة).
سيكون هاما للغاية هنا أن نذكر أن التطور التاريخى الذى جرى ويجرى كل يوم يتم بشكل متوالد ومتجدد من خلال التفاعل الطبيعى للأحداث وتوجيه هذا التفاعل ونتائجه وإعادة توجيهه فى الاتجاه المطلوب..هم لايطبقون كتابا جامدا أصما.. المستقبل ينتظر من يسعى إليه..ويسعى من يسعى وينام من ينام. 
وهكذا يا إخوتى يمكننا تقدير الخدمة التي قدمها  السيد /لوثر والسيد /كيلفين لليهود من خلال حركة الإصلاح الدينى حيث أعاد بعثهم من جديد وأكد على وجوب عودتهم إلى أرض فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر.
حين يأخذ القرن الثامن عشر فى الانتهاء ستبدأ الخطوات على الأرض في السيطرة على فلسطين وسيكون صوت نابليون بونابرت أول صوت سياسى يتصايح فى ربوع الشرق الاسلامى عن شىء إسمه دولة لليهود على أرض فلسطين فيوجه نداءه المشهور لليهود عام 1799م  والذى جاء فيه :(من نابليون بونابرت القائد الأول في جيوش الجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا الى الورثة الشرعيين لأرض إسرائيل ,,الإسرائيليون هم الأمة الفريدة التي لم تستطع آلاف السنين وشهوة الفتح والطغيان أن تجردهم سوى من أرضهم ولكن ليس من اسمهم وكيانهم القومي وعلى الرغم من أن أولئك المراقبين المحايدين المهتمين بمصائر الأمم لا يتحلون بمواهب الأنبياء أمثال إشعيا ويوئيل فإنهم شرعوا ومنذ وقت طويل بما كانا تنبآ به وهذا عندما شاهدا الخراب الذي كان يزداد اقتراباً من مملكتهما,, ألا ثوروا على العار يا أيها المشردون وأعلنوها حرباً لم يحدث مثلها في تاريخ البشرية,,حرب تقوم بها أمة اعتُبرت أرضها - بجرة قلم من الحكام - غنيمة لأعدائها الذين يريدون بفظاظة تقاسمها فيما بينهم وكما يشاءون. إن فرنسا تنتقم لعارها ولعار أبعد الأمم التي تُركت منسية وقتاً طويلاً تحت أغلال العبودية، وتنتقم للعار الذي أحاق بكم خلال ألفي سنة ,,لقد جعل الجيش الصغير الذي بعثتني العناية الإلهية به إلى هنا من القدس مقر قيادته الرئيسة ان هذا الجيش الذي يُقادُ بالعدل ويصحبه النصرسوف ينتقل بعد أيام قليلة الى دمشق المدينة المجاورة التي تهدد مدينة داوود ,,ألا هبوا.. إن ألفي سنة من العبودية لم تنجح في القضاء عليها ,,ألا هبوا..فها قد سنحت الفرصة التي قد لا تتكرر ثانية خلال ألفي سنة..)إلى أخر النداء الذى يطالبهم فيه بالالتفاف حول رايته وتحت قيادته واستغلاله اليهود بإثارته حججهم الدينية من أجل أموالهم وفي استكمال حروبه  فى الشام وحروبه ضد بريطانيا و بعد عودته إلى فرنسا مهزوما دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى البدء بتأسيس الدولة اليهودية (في المنفى) لحين احتلال فلسطين.
لكن الحرب العالمية الأولى والثانية ستكون حاسمة فى هذا الاتجاه الخبيث..سيصدر بلفوروعده(جلالة الملكة تنظر بعين العطف...)قرب نهاية الحرب الأولى بوثيقة لم يتجاوز عدد كلماتها 67 كلمة ولتبدأ الهجرات اليهودية الى فلسطين فى التزايد وهى تحت الانتداب البريطانى,,ثم تأتى الحرب الثانية ويأتى معها هولوكوست هتلر والذى تؤكد كثير من الشواهد أنه كان ضمن السياق التاريخى الذى يدفع اليهود خاصة من (المجر وبولندا) إلى الهجرة إلى فلسطين ولتحقيق تعاطف عالمى وتاريخى مع هذا الشعب المسكين فى ملجأ لهم كما قال تشرشل اللعوب الكذوب .
وفى 15 مايو 1948 يعلن ديفيد بن جوروين قيام دولة إسرائيل..ومن يومها وحتى يومنا هذا سيتم كتابة أحداث ووقائع تاريخ الأمة كلها من هذا التاريخ الحزين ..وليست فلسطين فقط ما فقدناه من وعد بلفور..وعينى فى عينك يا من يدًعى غير ذلك.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • فجر

    05:07 ص
  • فجر

    05:07

  • شروق

    06:34

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى