• الخميس 14 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر10:54 م
بحث متقدم

فسدة السيول.. ليس لهم إلّاك يا ولي عهدنا

مقالات

أخبار متعلقة

بالأمس كنت في مدينة الطائف الأثيرة، وقتما تهاطل المطر على مدينة جدة، التي جئتها في المساء، وإذا بطوابير السيارات المتعطلة توقف السير، والمدينة مشلولة كالعادة في مفاصل عديدة لها، وتتالت مقاطع الفيديو على جوالاتنا، كلها تشير إلى خلل سببه الفساد الذي اخترم هذه المدينة من عقود، والتي لم يعرف مسؤولوها للآن كيف يصرّفون مياه المطر، برغم كل الأموال التي وفرها ولاة الأمر لهم.
كنت أحد ضحايا سيول 2011، وغرق منزلي وفقدت سيارتين وقتها، والأمرّ من ذلك هو الغبن والألم والحسرة التي تلبّستني -وآلافا غيري من ضحايا تلك السيول- وتعلقت آمالنا وقتها بمحاسبة الفسدة الذي كانوا وراء هاته النكبات، وطوال كل السنوات الستّ التي مضت؛ لم نجد سوى أضحوكات ومغازلات اعلامية كما السراب، لا نلبث أن نكتشف بأنها مهدئات وقتية، فيما أولئك الفسدة يرتعون ملء نفوسهم، مطمئنين غير آبهين، وفي صميمهم أنهم متكئون لركن متين عن أن يحاسبوا، لأنها وصلت لسقف لا يستطيع أحد اقتحامه.
أتذكر أنني كتبت مقالة وأنا في سلم منزلي الغارق، ووصفت ما حدث بعد عودة الكهرباء لنا بعد يومين من الظلام المطبق، وقد انقطع حيّنا عن العالم، إلا من متطوعين أكرمونا بالخبز والماء، ووصفت فيها فجيعتي وجيراني بسبب تلكم الكارثة التي نكبنا بها والحمد لله. ها أنا أعيد بعض تفاصيلها، لتعلموا لماذا نطالب بمحاسبة الفاسدين، ولماذا لم تطفأ حسراتنا وحزننا تجاههم ليومنا هذا.. كتبت حينها:
“في كل مواسم الأمطار المرعبة؛ نتحلق مع أفراد العائلة ونذكر الله بتأمل هذا المطر المتساقط، وندعو لإخوتنا في حي “أم الخير” وقد باتت لازمة أنها ستنكب مع كل غشقة ماء من السماء، غير أننا بوغتنا بعد ساعات طويلة من المطر المتتالي بسيل جارف، دخل الحي الآمن الصغير من كل الأنحاء والزوايا، وإذا بمنسوب المياه يرتفع بمتواليات هندسية، ولم أفق إلا على صوت ابنتي ذات التسع سنوات تبكي وتصيح: “المياه دخلت علينا يا بابا”، انفلتُّ أحمل ابنتي الرضيعة ذات العشرة أيام فقط، وأصيح بأفراد عائلتي أن اصعدوا للدور العلوي، وأنا أستمع لشرشرة المياه المرعبة وهي تملأ الدور السفلي، ووسط بكاء أهلي وتضرعهم لله في مشهد تراجيدي حزين، طالعت الصورة المهولة أمامي عبر النافذة، حيث السيل يتدفق أمواجاً أمواجاً خلال الشوارع الآمنة، تسوق أمامها السيارات –الصغيرة منها والكبيرة- التي كانت تتهادى فوقه كأنها قطع من لعب الأطفال التي نراها تطفو في البانيو، وتصطدم بكل شيء أمامها وتسحبها معها في تيار قوي لا يصمد حيالها إلا الخرسانات المسلحة، وبات السيل عبر هذه السيارات التي يطفو رأسها تارة ومؤخرتها تارة؛ تصطدم بأسوار البيوت، وسط صياح الجيران والأهالي، الذين أيقنوا بالهلاك والغرق وسقوط المنازل، وكم كان المنظر مخيفاً ونحن نرى سور جارنا يتداعى عبر ضربات الماء الهائلة، وهرعنا جميعنا لأسطح منازلنا، وقد أيقنا بالغرق، ولم أفق إلا على صوت ابنتي الصغيرة غادة وهي تبكي: “سنموت الآن بابا، بيتنا سيتحطم مثل بيت الجيران”، بينما أهدهد أنا تلك الصغيرة الوليدة وأحتضنها، وأتأمل بكل الألم والحسرة سيارتيّ التي اقتنيتهما عبر التقسيط، تنجرفان تحتي وتذهبان في رحلة طافرة بالغبن والقهر مع السيل، فيما تلبستني عنوة لحظات تأمل ـ وأنا أتفرّس في وجوه جيراني فكلنا هذا الرجل ـ كيف كافحنا وناضلنا لنوفر قيمة هذه الأرض، وكيف بنيناها بكدّ وتعب، فيما الألم الدفين والحسرة الممضّة تعتصر القلوب منا، بيد أننا كنا نتجالد في تلك اللحظة أمام زوجاتنا وأبنائنا، فلا أشدّ على الرجل من أن يراه أبناؤه وزوجته في حال انكسار وضعف، إلا أن مرارة الوضع ومأساويته يجعلك تشعر بغصة حارقة تذيبك كما الأسيد؛ فتحويشة العمر التي أفنينا الأعمار بجمعها تتبدد أمام أعيننا، وسياراتنا التي كددنا لتسديد أقساطها تذهب في لمحة بصر؛ بسبب تقصير مسؤول خامل لا يستأهل مكانه، أو موظف مرتش لم يخف الله في مصائرنا، أو فاسد لم يهمه إلا جمع المال الحرام على آلام ودموع المواطنين الكادحين.
كم حزنت وأنا أرى جيراني يومئون ـ في تلك الساعات العصيبة ـ إلى طوافتيّ الدفاع المدني أن تنتشلهما من الأسطح وقد بلغت المياه للدور الأول، وفي طريقها للدور الثاني –هل تخيلتم يا سادة مشهد الرعب والخوف الذي عشنا!!- غير أن صرخاتهم واستغاثاتهم ضاعت مع هدير تلك المراوح الكبيرة، وحوقلت وأنا أقول: “أطوافتان فقط لمدينة بحجم جدة، بها كل هؤلاء الملايين من البشر، وهي التي تعرضت لحوادث سيل عديدة.. أيها الدفاع المدني ما دهاك؟”.
تذكرت في تلك اللحظات ما حصل في كارثة “قويزة” قبل 14 شهراً، وتيقنت أنه طالما لم تك محاسبة وتشهير لأولئك الذين اغتالوا أحلامنا، وأكلوا أموالنا بالحرام، فستظل المسألة تلوب في كل عام، لأن أولئك الفسدة والمقصرين أمنوا العقاب والتشهير.
انحسر الماء أخيراً عن الحي، وتنفسنا الصعداء، وحمدنا الله، ونزلت أخوض في الوحل والطين وقد غمرا كل البيوت، ونزلت أطمئن على جيراني عبر برك المياه والأوحال، وذهبنا نبحث عن سياراتنا التي جرفها السيل بعيداً كما باتت أحلامنا وآمالنا. حمدنا الله تعالى، واسترجعنا على ما أصابنا، كان هذا حالنا نحن الأربعينيون وكبار السن، مرددين عباراتنا الشعبية المتوارثة: “المال يعوّض، والأرواح لا تعوض، فالحمد لله على سلامتنا”، فيما الشباب يصرخون حولنا: “لا بد من استقالة المسؤولين جميعاً ومحاسبتهم”.. نقّلت بصري بين كبار السنّ الذين يحمدون الله، وبين الشباب المطالب بالمحاكمة والحساب، ثم صعّدت نظري نحو الأفق، استقبل الشمس التي تطفل للمغيب وأنا أبتسم بثقة كاملة”.
انتهت قصة غرق منزلي في عام 2011، ووقف ذوي الشهامة والفضل من الأصدقاء معي، وأمر الملك عبدالله -يرحمه الله- أمر وقتها بمحاسبة المقصرين -كائناً من كانوا- وأمر بصرف مليارات عدة لتصحيح مسارات السيول عبر شركة “أرامكو”، ولكن ما الذي حدث؟!، رأينا بالأمس المطر يشلّ المدينة في كثير من أنفاقها وأحيائها، رغم أن منسوبه نصف ما كان في عام النكبة ذاك، فيما الفسدة والمقصرون سلموا ولم يحاسبوا طوال هذه السنوات.
الابتسامة التي ختمت بها المقالة الحزينة عام 2011؛ تأكدتُ اليوم أنها استشراف لعهد سلمان بن عبدالعزيز وولي عهدنا الشجاع محمد بن سلمان في محاسبة أولئك السرّاق الذين أقاموا أحياء في مسارات السيول، وباعوها لأمثالنا من المكدودين، وسرقوا أحلامنا وهربوا بتحويشات أعمارنا، وتركونا أمام السيول نلوك الحسرة ونمضغ الأسى ونزدرد القهر.
ولي عهدنا محمد بن سلمان، وقسما بالله تعالى ثلاثا؛ أنك أفرحت قلوب الشعب بحملتك الأخيرة على الفساد، وأحييت الأمل فينا، وجددت الثقة في رؤية 2030؛ أنها ماضية بنا إلى سعودية حديثة شابة، سعودية نظيفة لا مكان فيها للفسدة والمرتشين والمقصرين، الذين آذوا المواطنين وشوّهوا صورة الوطن. دعا الشعب لك والله في حملتك هذه على تطهير بلادنا من الفساد، ورأوا فيك غد السعودية المشرق.. ليس لها إلاك –بعد الله- يا عضيد مليكنا في تبديد ما نحمل من حزن دفين، وقهر مكبوت، وحسرة لمّا تزل تمور في نفوسنا تجاه أولئك المسؤولين عن نكبة السيول، لا نريد سوى محاكمة عادلة لأولئك الفسدة الذين أثروا على حسابنا وبددوا أحلامنا، وأورثونا الغبن.
مطالبتنا مشروعة، وأميرنا حازم، والوعد الذي أطلقه قائم: لن ينجو أحد اتسخت يده بالفساد، ولن تسقط ملاحقتهم ومحاكمتهم بالتقادم، وسيكونون أمثولة وعبرة لمن سيأتي.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • فجر

    05:22 ص
  • فجر

    05:21

  • شروق

    06:50

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى