• السبت 20 يناير 2018
  • بتوقيت مصر10:56 م
بحث متقدم

القدس.. لنا

مقالات

أخبار متعلقة

من تابع الحملة الانتخابيّة للرئاسة الأمريكيّة، وراجع شريطها، سيتذكّر أن الاعتراف بالقدس "المحتلّة" عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، كان ضمن أولويات السياسة الخارجيّة لـ دونالد ترامب المرشح آنذاك.
وترامب الذي صار رئيساً منذ عام يُترجم اليوم أحد وعوده إلى واقعٍ، وهو ما فعله يوم 6 نوفمبر 2017، حينما وقع قرار الاعتراف، وبات نقل السفارة لمدينتنا المقدّسة، ومسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأحد مصادر عزّنا وفخرنا، مسألة وقت.
لا مبرّرَ واحداً مقبولٌ من التي ساقها ترامب بشأن قراره الصفيق، وحتى لو كان يتذرّع بأن الكونجرس أصدر هذا القرار عام 1995، وأنه لم يفعل شيئاً سوى تنفيذه اليوم، معتبراً ذلك شجاعة منه، بينما لم يكن الرؤساء السابقون شجعاناً حسب باطن كلامه، وهم ثلاثة، كلينتون، بوش الابن، أوباما - والثاني كان جمهورياً محافظاً مثله - فإنه يتعامى في ذريعته تلك عن كون قرار الكونجرس نفسه بلا سند شرعيّ في القانون الدوليّ، ويتصادم مع القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، وضد حقائق التاريخ والجغرافيا في فلسطين، فالقدس مدينة محتلّة، وعلى الأقل القدس الشرقيّة خاضعة للاحتلال منذ عام 1967، ولا يجوز ضمّها، ولا مصادرة حبّة تراب واحدة منها، ولا الاستيطان فيها، ولا إحداث أي تغييرات على وضعها، لأنها ملك الشعب الفلسطيني، علاوة على أن وضع مدينة القدس المحتلّة كله متروك لقضايا الحل النهائي في مفاوضات السلام التي يدمّرها اليمين الأصوليّ المتطرّف الحاكم في إسرائيل وأمريكا.
 
الاحتلال لا يرتّب أي شرعيّة له مهما طالت سنواته حتى لو صارت قروناً، احتلالات العالم زالت كلها رغم استمرارها حقباً زمنيّة طويلة وكأنها لم تكن، وكل الإجراءات التي يتخذها أي احتلال على الأرض ومهما غيّر في ديموجرافية المناطق المحتلة فإنها تظلّ انتهاكات مجرمة لا يُعتدّ بها، وهذا هو وضع القدس، والتهويد الجاري فيها على قدمٍ وساقٍ، والاعتراف الأمريكي الرسمي بها عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، لن يلغي حقيقة تاريخيّة دامغة أنها مدينة فلسطينيّة عربيّة إسلاميّة مسيحيّة، وأنها عاصمة الدولة الفلسطينيّة حتى لو لم تقم هذه الدولة في أمد قريب، بل نذهب بعيداً ونقول إن فلسطين كلها تبقى فلسطينيّة عربيّة، ولو في الذاكرة وكتب التاريخ والوجدان المعنويّ والخطاب السياسيّ عند أبنائها وعند الشعوب العربيّة.
 إذاً وجود إسرائيل ككيان وتعزيز هذا الكيان بكل عوامل القوة والبقاء لا يُكسبه حقاً نهائياً في الأرض التي احتلها، ولو ظلّ هذا الكيان قائماً لعقود أو قرون أخرى قادمة فإن وجوده سيظلّ مهدداً، وشرعيته ستبقى بلا قواعد ثابتة مستقرّة، ومحيط البشر الذي يقع فيه هذا الكيان سيظلّ نافراً منه رافضاً له جيلاً بعد جيل، وهذه عقوبة معنويّة وأدبيّة لا تسقط بالتقادم، وقبول لن يتحقق أبداً مهما هرول المطبّعون الخانعون طلباً لرضا تل أبيب وواشنطن عنهم.
قرار ترامب ليس شجاعاً، بل متهوراً أحمقَ صهيونياً يدمغ السياسة الخارجيّة لأمريكا بمزيد من الانحياز لإسرائيل، وفقدان العدالة في التعامل مع الحقوق الفلسطينيّة، والإغراق في الإهانة للعرب والمسلمين، ومنهم حلفاء كثيرون مُخلصون لأمريكا، وهي لا تبادلهم نفس الإخلاص، ومنهم من يعتبرون ترامب إماماً لهم، هذا القرار المتسرّع لا يساعد في استئناف السلام الذي يقتله الليكوديون المتطرّفون، بل يعقّد الأوضاع أكثر، ويكشف مجدداً عن أن التطرّف في إسرائيل وأمريكا ليس مع سلامٍ عادلٍ، بل مع إذعانٍ كاملٍ بالقوة الغاشمة.
 القرار الجريمة يدفع الأراضي المحتلة والعالم العربي والإسلامي إلى مزيد من التوترات، وفقدان الثقة في أمريكا، واعتبارها خَصماً يمارس العدوان عليهم، والخاسر حتماً إسرائيل لأنها ستظلّ منبوذة، وسيكون وجودها محاصراً دوماً في بحر من الرفض والكراهية لسلوكياتها الإجراميّة، ولن يجرؤ الراغبون في التطبيع السري إظهاره للعلن، والعزلة ستكون من نصيب أمريكا أيضاً، فالقرار الأخير لم ينل أي دعم أو تأييد عالمي، حلفاء أمريكا وأصدقاؤها قبل أعدائها في كل مكان بالعالم رفضوه وخرجت المظاهرات تندّد به، لا عاصمة واحدة أيدته، ألا يدرك ساكن البيت الأبيض مغزى ذلك، انعزاليته التي بدأها مع خطاب القسم في يناير الماضي تتزايد وتتعمّق مع نهاية العام الأول له في الحكم، والفريق من العرب الذي يميل إلى ترامب، ويستثمر فيه، ويرحّب به، يجد نفسه اليوم في حرج شديد من تصرّفه، ويضطر لمعارضة القرار حتى لو كان في نفسه شيء آخر.
وترامب يثبت مهارة في صنع الأزمات في العالم، وليس تفكيكها وإزالتها لإحلال السلام والأمن والاستقرار، من جاره المكسيكي، إلى شركائه في أوروبا، إلى كوريا الشمالية وإيران، ثم العرب جميعاً، بجانب أطراف الاتفاقات التجاريّة والمناخيّة الإقليميّة والدوليّة التي ينسحب منها تباعاً، فضلاً عن الأوضاع الداخليّة التي لا تسرّ كثيراً، هل جاء رئيساً ليحكم بعضلات الجسد أم بمنطق العقل وحكمة السياسة؟.
الرؤساء السابقون له الذين اتهمهم بشكل مبطّن بالجبن كانوا أكثر سياسة وتأنياً وفهماً لطبيعة الأوضاع في المنطقة العربية منه، وأكثر تقديراً لحساسية وضع القدس المحتلة، مع تسليمنا بأنهم ليسوا أقل منه قرباً من إسرائيل وتدليلاً لها، لكنهم أكثر منه رصانة في فهم مقتضيات السياسة الخارجية وأولوياتها، نصف الحماقة والغطرسة من أمريكا الظالمة أرحم ولو على مضض من الغطرسة كلها.
قرار الكونجرس لعام 1995 الذي أشار إليه ترامب مكتوب في الكنيست، ليس بالضرورة أن يكون مكتوباً نصاً، إنما الكونجرس يعكس الهوى والمزاج والتوجّه الإسرائيلي إلى تشريعات، وما فعله المشرّعون الأمريكيون أنهم ترجموا رغبة الإسرائيليين، ثم بصموا على مشروع القرار بالموافقة، فهناك مشرّعون صهاينة أكثر من غلاة الصهاينة في إسرائيل، وفيهم من يعتبرون إسرائيل أقرب إليهم وجدانياً وروحياً من الولايات التي يمثلونها، أو من الدولة الأمريكية نفسها، ونفوذ الجماعات اليهودية والصهيونية والأصولية المسيحية المؤمنة بإسرائيل طاغٍ داخل المؤسسات الأمريكية، وعلى رأسها الكونجرس بمجلسيه، وجاريد كوشنر صهر ترامب وأقرب مستشاريه يهودي صهيوني، وابنته إيفانكا تعتنق اليهودية أيضاً.
القدس في المبتدأ والمنتهى لنا، وستظلّ لنا.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من تؤيد في انتخابات الرئاسة؟

  • فجر

    05:31 ص
  • فجر

    05:31

  • شروق

    06:58

  • ظهر

    12:11

  • عصر

    15:04

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى